الرئيسية / أخبار / ولد بلال: من نشوة بعض المداحين يضع يده في النار فلا يحس بها

ولد بلال: من نشوة بعض المداحين يضع يده في النار فلا يحس بها

ولد بلال: من نشوة بعض المداحين يضع يده في النار فلا يحس بها

أقام مركز ترانيم تحضيرا للنسخة السادسة من مهرجانه السنوي للمدح النبوي، ندوة تحت عنوان “المدح النبوي.. مدرسة إكيدي وآوكار نموذجا”.

وقد أعلن المركز عن إهداء هذه النسخة من المهرجان الذي سينطلق يوم 22 من الشهر الجاري إلى روح المداحة الراحلة تسلم منت اجديد.

في بداية الندوة رحب محمد عالي ولد بلال مدير مركز ترانيم بالحضور، وقال إنه في النسخ الماضية كان هناك احتفاء بالمدح النبوي في كل من ولايتي إنشيري وآدرار، وإن هذه النسخة خصصوها للمدح في “الكبله” (إكيدي و آوكار).

وأضاف أن مركز ترانيم قام بتدريب وتكوين وتأطير العديد من المداحين، لأن ذلك جزء من رسالة المركز ومن اهتماماته، مشيرا إلى أن عقد مثل هذه اللقاءات يهدف إلى إعادة إحياء هذا التراث من خلال الندوات والجلسات التفكيرية، وهي إحدى الوسائل الناجعة يقول محمد ولد بلال.

بعدها تحدث المحاضر الرئيسي في الندوة إبراهيم بلال رمظان وأشار إلى أنه حاول من خلال البحث الحفر في إشكاليات المديح، قائلا إنه وظيفة وفن في ذات الآن منتشر في موريتانيا عموما، ولكن خاصة في منطقة الكبلة، وهكذا أنا أفضل أن أتحدث عن “الكبلة”- يقول ولد بلال- وليس عن اترارزه لأسباب أيديولوجية وتاريخية يعرفها البعض منكم لا شك. وأضاف المحاضر أن آثار ممارسة المدح يمكن أن نرسم لها مثلثا على رأس هرمه منطقة إنشيري، وفي القاعدة إكيدي ثم بوتلميت، لأن الحديث عن المدح في منطقة “الكبله” يرتبط ارتباطا عضويا بالحديث عن المدح في إنشري، فالمتتبع لآثار المداحة الذين ينقلون المدح من هنالك إلى هنا سيلاحظ هذا الارتباط العضوي، وأشار ولد بلال إلى أن الرواة قد اتفقوا (لأنه لا توجد آثار مكتوبة بخصوص المديح أو هي شحيحة) والرواية الشفوية هي إحدى مصادر التاريخ ولا سيما في السيرة النبوية وفي الحديث أيضا، فإن الرواة إذن اتفقوا على أن كبار المدحين الذين كانوا يسكنون آوكار (وهو ممتد الى إنشيري)، والذين تركوا تراثا في “الكبله” قادمون كلهم من أكجوجت مثل بلال ولد كمب، وعثمان ولد آلويمين، وآفكيرين ولد بلال، وقد كان الأول يعمل في مجال حفر الآبار، وقد وصلت تأثيراته حتى ولاية كوركول. وقال ولد بلال إن أخت عثمان اسمها ابيبيه منت آلويمين قد تركت آثارا لمدرستهم في مناطق من ولاية كوركول.

وحصر المحاضر مدارس المدح في “الكبله” في مدرستين أساسا، الأولى هي مدرسة إكيدي (النمجاط والمذرذرة وواد الناقه)، والمؤسسون لهذه المدرسة قادمون من إنشيري، ويمكن أن نضم إلى هذه المنطقة أيضا منطقة برويت والتي يفضل أهلها أن يطلق عليها “الخالفة الكحلة” ويرفضون أن تدخل ضمن مسمى “إكيدي”؛ وتمتد من نواكشوط إلى ناحية تكند وما جاورها، وهذه المنطقة تزخر بنمط من المدح يشبه “بنجه” ومداحوها متأثرون بأشوار الظل (ليست لهم اكرز)، أما المدرسة الثانية فهي منطقة أبوتلميت (الميسر وعلب آدرس)، وابتداء من نهاية القرن التاسع عشر وصل إلى هذه المنطقة ممادي دجاخاتي، وهو من أصول “فلانية” مالية، وكان يعمل في الجيش الفرنسي وسكن في المذرذره، وكان جارا لأحد المداحين، ثم لاحقا تحول بسبب العمل إلى بوتلميت، واستقر فيه، وهو أول من بنى منزلا في بوتلميت، وهكذا أصبحت تلك البلدة مثل سوق عكاظ – يقول المحاضر- يحج إليها المداحة من المذرذره ومن برويت، قبل أن يتوفى ممادي دجاخاتي عام 1925 ويأخذ ابنه عبد الرحمن ممادي المشعل.

وهناك شيء لافت للنظر- يواصل المحاضر- وهو أنه مع مجيء ممادو الأب صارت تقام حلقات المدح كل ليلة جمعة، وفكرة أن يكون المدح ليلة الجمعة التي أصبحت تقليدا فيما بعد هي تأثر بمامادي، والمتأثر بدوره بأصوله الزنجية القريبة، فهذه العادة جديدة على تلك المنطقة، ولم تعرف في منطقة “الكبله” إلا مع وصوله هو، وكانت ترافق هذه الجلسات المدحية ما يسمى “التوسعة” وهي إعداد الطعام والشراب أو ما يطلق عليه “شراب الموتى”.

إن المدح كان وما زال – يقول ولد بلال- يقوم به المستعبدون “لحراطين”، إذ كانوا يتعبدون به وأحيانا قد يصلون به مرحلة التصوف، فمنهم من يفقد الإحساس في غمرة النشوة الغنائية ويمكنه أن يقوم بأشياء غريبة، كأن يضع يده في النار دون شعور بالألم مثلا، وهذا أصبح معروفا علميا؛ فحالة التركيز القصوى التي يصلها الذهن أحيانا تجعل المرء لا يحس بحرارة النار، لأن تركيزه في منطقة أخرى، وكانوا يمارسونه كنوع من الراحة بعد كدح وعمل متعب، فالفن يأتي كاستجابة للتعب وهروب من صرامة الواقع المر.

وكان بعضهم – يواصل المحاضر- يمتهن المدح، وكان للمداح قيمة إضافية في المجتمع، لذلك يغيب عادة الاسم العائلي من اسم المداح؛ ويصبح الانتماء إلى المداحة تعويضا عن انتمائه الأسري والطبقي فنجد “صمب المداح مثلا أو علي أو اسويدي المداح.. إلخ”، فكان هذا بمثابة ارتقاء اجتماعي وطبقي، وفي بعض المناطق يتبركون بالمداحين، ويجلبون لهم الأطفال من أجل أن يدعوا لهم بالصلاح والنجاح، بل إن هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك؛ حيث كان البعض بعد المدح مباشرة يجلبون الماء من أجل أن يتفل فيه المداح ثم يشربونه، فقداسة المداح في بعض الأحايين تشبه إلى حد كبير قداسة رجال الدين والفقهاء.

وقد خرجت هاتان المدرستان العديد من المداحين، وكانت هناك “شدادات” مشهورات مثل تاته منت سيدات وحليمه منت اميهي. وأنا أذكر أنه في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات حتى 1985 كان المدح موضة، وانصب عليه اهتمام الناس، وكان الشاب الذي لا يتقن المدح بمثابة شخص تجاوزه الزمن إلى حد ما.

الخلاصة – يقول المحاضر- المدح الشعبي تراث إنساني شفوي تتناقله الأجيال، وهذا سبب كثرة أخطائه، وهناك عدة تيارات بخصوص إعادة غربلته، منهم من يرى أن هذا اللحن والأخطاء هي جزء من هذا المدح و من روحه ومن سياقاته التاريخية، وبالتالي فإن أية محاولة لإعادة كتابته وتصحيحه ستفرغه من محتواه ومن قيمته التاريخية، وهنا أفتح قوسا لأقول إن “إيكاون” كان بعضهم أيضا يجيد المدح مثل عائلة “أهل الميداح” والذين اسمهم الحقيقي “أهل مانو” وإنما أخذ جدهم هذا الاسم لأنه من أوائل من مارسوا المدح كما نعرفه الآن.

أعود إلى الوراء للحديث عن الجدل الدائر حول مراجعة المديح؛ فنحن نريد “تبنجيه”، بينما هناك من يريد أن يجعله “عالما”، وأنا أرى أن المدح ثقافة تمثل خصوصية لمكونة لحراطين، ويجب أن يبقى هذا الطابع الثقافي المميز، ولكل مكونة خصوصيتها، وهناك فلاني مداح معروف الآن وصوته رائع، وبالتالي فالفن للجميع ولكن له أصول ينحدر منها.

ختاما – يقول ولد بلال- ندعو وهذا ما تقوم به ترانيم أن المدح، يجب أن يدون هذا التراث، وعار على وزارة الثقافة أن تدعم كل تجليات الثقافة، وأن تكون هناك تنظيمات لكل جوانب الثقافة باستثناء المدح، وأنا أقول لهم “إننا اندورو نكرظو فيهم للرسول”.

في تعقيبه على محاضرة ولد بلال تحدث المداح سيدي ولد السالك عن ما سماه عدة أغراض في المدح نفسه، ورأى أن الجيل الجديد من المداحة حاولوا التأصيل للمدح، وتقسيمه إلى “أغراض” فرثاء الرسول (صلعم) هو المدح نفسه، ومن أهم هذه الأغراض معرفة العقيدة، وتكريس قيمة لقناعة، والتوسل والتوجيه والتغني بالمعجزات..إلخ.

بعده عقب الأستاذ السالك ولد إنلّه، الذي قال إن المدح له تراكمات تاريخية كبيرة، وإن كانت في بقية مناطق العالم الإسلامي على شكل شعر وأناشيد وترانيم للفرق الصوفية أساسا، وأضاف أن هذه الحلقات كانت تقام ليلة الجمعة لمكانتها في الثقافة الإسلامية، وأنه بعد سقوط الأندلس هناك من استقر في المغرب وجنوب المغرب، ووصل تأثيرهم إلى مناطق آدرار التي كانت على تماس مع منطقة “الكبله”، وهذا ما يفسر وصول المدح لمناطق إنشيري ثم إلى “الكبله” لاحقا، وقد قام به هؤلاء الأخيرون على طريقتهم، وأضاف أن كون المدح مرتبط بالحراطين هو حقيقة لا مناكفة فيها، وإن كانت مارسته مكونات أخرى غير أنه يظل خصوصية للحراطين، فارتباط المدح بالحراطين يفسره أنهم مكونة غير متعلمة حينها، وكان الهدف من تجهيلهم هو مواصلة استعبادهم، بينما كان المستعبَدون يهربون إلى الجناب النبوي كما هرب المستعبدون في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) إليه، يقول ولد إنلّه، وهنا – يواصل قوله- فإن هذا المدح يتضمن أيضا الشكوى وطلب الفرج من ظلمة الاستعباد ومن الظلم، ومن هنا ارتبط المدح بالحراطين كصرخة ضد واقعهم البائس والظالم

شاهد أيضاً

انتشار أمني مكثف ومظاهرات بنواكشوط ونواذيبو

انتشار أمني مكثف ومظاهرات بنواكشوط ونواذيبو 23 يونيو, 2019 – 14:07 الأخبار (نواكشوط) انتشرت قوات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *